مكاناً قَصيّاً..



بقلم ندى دخل الله – صحيفة إنسان
انزوى بعيداً عن الجميع على ضفة نهره المفترض... ثمّة مكاناً لا وجود له على الخارطة جلس وحيداً هناك ... أخذ ينفث دخان المالبورو المهربة ويفكر...
حسناً الآن أنا على مشارف الثانية والثلاثين... امتلك بيتاً ... لا والله ولا ظلّ شجرة استظل به... إذاً أنا من أرباب النعيم الذين لا يجمدون أموالهم في عقار بل يزجّون بها في سوق العمل بينما يستأجرون شققاً مفروشةً .... مهلاً أي سوق عمل تلك... تالله إنها أشبه بسوق النخاسة...
لنعد للبداية أي قبل عشر أعوام ... تخرجت من كلية الحقوق بمعدلٍ لائق... طيلة أعوام الدراسة وأنا أعد نفسي بعهود وأمنيّها بأمانٍ وأحلام... سأتخرجُ لأقيم العدل في الأرض بعد أن مالت كفّة الميزان سأعيد الأمور لنصابها ... سأخرج حامورابي الموجود في داخلي والنجاشي الذي لا يظلم أحداً... وقبيل التخرج بقليل جاءتني اللكمة الأولى... توجهت لمكتب شؤون الطلبة مستفسراً عن تأخر النتائج الامتحانية فانتظاري قد طال ولهيبٌ يحرق بي لأنهي مرحلة الدراسة متوجهاً بسيفي المهند صوب ساحة المعركة لأرد حق إمرأة نادت وا معتصماه...
أخبرني الموظف حينها أنني لم أتأهل للنجاح ... صدمة من العيار الثقيل لطالبٍ يعد ساعاته الأخيره في الكلية ومزحة كهذه ستكلفني فصلاً دراسياً كاملاً لإعادة المادة... لكن الأمر كان... تقبلت الصدمة بصدر ممتلئٌ بالإيمان بشر القضاء والقدر وخيرهما... تبّين فيما بعد بأن مدرس المادة أي الأستاذ الدكتور المحامي الذي يناظرنا القانون والحقوق يحتاج أن أهزّ له كيس دراهمي بالقليل... كما فعل زملائي... بعد استخارات واستشارات أكد لي الجميع بأنني لن أنال وثيقة التخرج ما لم أطرب أستاذي برنين الليرات في جيبه... وعلى سبيل دفع البلاء دفعت المعلوم كما يقولون وتأخر تخرجي فصلاً كاملاً...
بفضل من الله نلت شهادتي وتوجهت بكل ثقة لمكتب التوظيف لأودع لدى فئرانهم بضع أوراق يتسلون بقضمها حيث أنها ليست أكثر من ذلك...
على اعتبار أن والدي من ذوي الدخل المحدود تحتم علي البحث عن عمل ولو كان خارج تخصصي لأجني بضع ألالاف ... كان ذلك العمل محاسب في مطعم للوجبات السريعة... لكن لا تظن أنني حصلت على هذه الوظيفة بالسهل على العكس تماماً لكنها من نصيبي وباشرت العمل المؤقت... الذي استمر حتى يومي  هذا...
لا أنكر أنه عرضت علي الكثير من فرص العمل الغير شريف لكن حامورابي الذي في داخلي رفض رفضاً قاطعاً مبرراً "الجوع ولا لقمة الحرام"
ترقيت في منصبي من محاسب إلى مشرف على المحاسبة في سلسلة مطاعم البيك...
صباح هذا اليوم كانت فاجعة وفاة حامورابي المقيم في جوفي وفرغت تواً من دفنه ... اتصلت بأحد الشركات التي عرضت علي العمل كمحامٍ وطلبت إجراء مقابلة وأرسلت لهم سيرتي الذاتية...
تعليقات