بقلم : دينا الزيتاوي – صحيفة إنسان
بحلول العام 2016 كانت الذكرى المئوية الأولى
لاتفاقية سايكس بيكو التي قسمت المشرق العربي في عام 1916 الى دول و كيانات. نحن
هذا العام نشهد رؤية جديدة لخرائط ليست بالجغرافية للمنطقة من جديد. حيث تتبين على
الأرض ملامح لإعادة توزيع ديموغرافي، يتمثل جلياً في موضوع اللجوء الذي لا يمكن
السكوت عليه، في كل من سوريا، الاردن و لبنان. فالوضع المأزوم في سوريا و زيادة
أعداد اللاجئين لا يبشر بخير و لا بقرب حل سياسي أو حتى إطار عام لحل سياسي؛ فلا النظام
السوري المدعوم من روسيا وإيران مستعد لتقديم تنازلات و لا المعارضة السورية
متعددة الجهات و المدعومة هي الأخرى من قبل قوى خارجية قادرة على تقديم بديل لحل
سياسي مزعوم.
و ضمن هذا الإطار العام للوضع، نرى النظام
السوري مدعوماً من إيران يلعب على إعادة ترتيب ديموغرافي، حيث يتم تنقيل الطوائف
السورية بمختلف أشكالها لتوطينها في مواقع محددة على الجغرافية السورية و خارجها.
من خلال عمليات تطهير عرقي وديني عنيف في سوريا من الداخل. و هذا لا يختلف كثيرا
عما حاولت الكيانات الاسرائلية المتتابعة عمله من قبل لخلق كيان استيطاني ذو طائفة
دينية يهودية واحدة على الأرض الفلسطينية. و من هنا تنبع فكرة أن الحل الوحيد هو
خلق بيئة مواطن للتعددية تكون حاضنة لها.
وجود سوريا مقسمة بشكل رسمي إلى عدة دول
مستقلة كل منها ذات اغلبية طائفية هو شيء مستبعد لكنه قد يكون حلاً عملياً على الأرض
و ليس رسمياً. و تكون الحال كما حصل في الصومال حيث قسمت داخلياً إلى أقاليم يسيطر
على كل منها طائفة بحد ذاتها.
قد يتساءل البعض عن الاسباب و الحلول؛ إن
الهشاشة التي بنيت عليها الدول المشرقية منذ مئة عام هي السبب و هذا لا يعفي الدول
العربية الأخرى من المسؤولية اتجاه ما يحصل الآن. و الحل يكمن في اعادة تعريف
مصطلح و تطبيق المواطنة الحقة للمحافظة على الولاء بين المواطن والدولة. و هذا لا
يتم بين لحظة وأخرى، حيث أنه لابد من بناء مؤسسات وطنية ترقي الديمقراطية، و نظام
تربوي يغلب الهوية الوطنية على الهوية الدينية و الطائفية، و هذا قد يحتاج الى جيل
او أكثر لمحو الماضي، و التقليل من شعور الأقليات بانهم مواطنون من الدرجة الثانية
داخل كيان الدولة.
و عند الحديث عن التعددية و إعادة التوزيع
الديموغرافي يجب ذكر كافة الجوانب الثقافية، الدينية، الاقتصادية، و حتى المتعلقة
بالجنس التي تؤدي لها. حيث أن التمييز في وضع التشريعات لا تبني دول حديثة و
ديموقراطية. فدول الشرق الأوسط مقبلة على مرحلة من اعادة بناء الدولة بمفهوم لا
مركزية الدولة. فوتيرة التغيير سريعة بسبب العوامل الاقتصادية المتردية و المكونات
الشعبية غير المرتاحة. لذا يجب البدء ببناء كيانات ديموقراطية جادة وبشكل تدريجي
في المنطقة للحفاظ عليها عن طريق الحاكمية الرشيدة ووضع عقد اجتماعي جديد.
ان الزعزعة في الكيانات المكونة للدول الشرق
أوسطية أدى الى صعود و ظهور القوى ما دون الدولة و تعاظم دورها. و مثال على ذلك
المليشيات العراقية و داعش في سوريا و العراق. و هذا نتيجة التهميش المستمر لبعض
الطوائف السنية ومكونات المجتمع. الفراغ الذي خلقته الانظمة الحاكمة أدى الى تعاظم
القوى الاصغر شأنا و تهديد الكيان الأكبر ألا وهو الدولة. ومن الأمثلة الحالية على
الساحة العربية السودان، الذي بدأت بذور الأجندات الخارجية بتأجيج الشارع الداخلي
فيه.
ربما قسمت اتفاقية سايكس بيكو الشرق الأوسط
قبل مئة عام لكن الحل هو الحفاظ عليها الآن و التمسك بالحدود التي رسمتها لديمومة
الهوية العربية على اقل تقدير.
