آخر المشاركات

رسالة رَوحانية الى القابعين في غياهِب السُجن ( 3 )



بقلم : صابرين علوش – صحيفة إنسان

لا شك أنكم في كل يوم لكم مع الخيال قسطً كبير لا بئس اننا كُلُنا نعيشُ في الخيال لأن الواقع قد حطم أحلامنا و أهدافنا فأصبحنا نلجأ للخيال ونتصور كل ما أردناه .  كل شخص مِنكم يجلسُ بعد حفلةِ تعذيبٍ قاسية يتخيل ابنهُ الذي كان يركُلُ في بطن أمه عندما اعتقل وكيف أصبح عمره ستُ سنوات وهو لا يعرف والده بعد,  والأخر يتذكر رفاقهُ وسهراتِهم وأٌمه التي تنتظهرهُ  كُلَّ يوم عند عودتهِ من السهرة متأخراً ليطمَئِنَ قلبها , وغيره الذي يتذكر خطيبته التي وعدها أن لا يفارقها الا اذا أتته المنية , كُلَكُمْ لكم شريط ذكريات يمرُّ أمام أعينكم كل يوم تاركاً ناراً حامية تكوي قلوبكم .. الحياة هنا تمشي انها لم تَقِفُ يوماً عند أحد تطحنُ كل شيء وتمضي ,  سأخبركم شيئاً مؤلما أنتم الأن تعيشون على أمل .. أمل في كل شيء وعندما تخرجون من المُعتقل سيموت هذا الأمل !! الأمل في رؤيةِ من تحبونهم كيف يركضون ويستقبلونَكُم بدموع الفرح أملكم في الفرح الذي ينبُع من الداخل , أنتم قادمون من الماضي الى الحاضر فكل شيء سيكون قد تغير فستفقدوا وجود الكثير مِمَنْ تحبوهم اما  شهيداً أو مغترب أو مهاجر أو مُهَجَر أو حياً لكنه ميتً من الداخل أي أن قساوة الايام تركتهُ شخصاً بلا روحٍ بلا خفقان , ستفقدون الأماكن والمطارح والمنازل سوريا كُلِها قد تغيرت ملامحها فالطائرات اللعينة والقذائفُ الغادرة قد حولتها لخرابة لكنها ومع كل هذا لم تفقُد جمالِها .
سمعنا كثيراً من أشخاص سبقوكم الينا  أنكم وفي كل يوم يَمُرُ عليكم  تزدادون قوةً وصبراً وأمل بأن ما بعد الصبرِ الا الفرج وأنه مهما ت0كالبت عليكم الأوجاع فأنتم موعودون بالفرح ولو بعد حين و أنكم تحملون قلباً شُجاع وروحاً رحيمة رغم أن أجسادكم باتت نحيلة لا تقوى على شيء كمِثلِ نبتة مُنعَ عنها الماء والضوء لفترةٍ طويلة فباتت ذابلة جذورها مُتجعدة لكنها ومع أولِ قطرةِ ماء تعود مُزهرة متينة الجذور , لن أطيل رسالتي الأولى لكنني أود في معرفة شيئاً ؟! يوماً ما قد أتى اليكم بُرعُماً صغير اسمهُ محمد لقد قُطف في زهرةِ شبابه كَمِثلِ الكثير مِنكم و أُخِذَ  من حُضنِ أُمه الى أحضانِ الجزارين قُساة القلوب انه وسيمَ الوجه جميلَ العينين ذو كتفين مملوئَين و شعرٌ أسود داكن ودمعة سخية  اعلم هذه التفاصيل لم تُعنيكُم أيضاً لأنه حتماً قد تغير كثيرا في مسالِخِهم وبدا جسمه مُنهك وعيناهُ ذابلتان وروحه غدت فيها شقٌ هائل ولا يملُك الابرة التي تُحيك جرحه سواكم أنتم خففوا عن برعمي قساوة السجنِ ومرارة الوجع الذي تتذوقونه , انه مازال غضاً قلبهُ لا يقوى على الألم والقسوة والفراق والاشتياق .. اعلم أنه قد نضج وأصبحَ شاباً لكن الذي لا نعلمه انه أ مازال يجلسَ كل يوم عند الثُقبِ المفقوع تحت شفاطِ المِهجع يُرسل أمانيه ودعائه و آهاته الممزوجة بالوجع  الى الله طالباً منه الفرج القريب أم أنه من أولئك الرجال الذين فارقوا الحياة في عتمةِ الليل تحت السواط التي تهوي وتضربُ أجسادهم وتنهشُ أينما حلت ومن ثم دُفنوا في مقابر جماعية أو رُموا  عند أقرب طريق ومن ثم دُفنوا مجهولو الهوية , كُلي أملاً أنه مازال على قيدِ الحياة و أنه مازال يجلسَ كل يوم في حضرةِ قلبِه و أوجاعِه يُفكر بأُمه وحالها من بعده ويُفكر في أخيه الذي بُترت ساقِه قبل اعتقاله بشهرَين يسترجع ذكرياتُ طفولته في حواري دمشق يبكي بحرقة و دموعه تملأ وجنتيهِ وكأنها ينابيعٌ تجري يتمنى لو أن الأيام تعود ويبقى جُلَّ ما يخاف منه هو صفعةً  من أبيه لأنه هرب من المدرسة وذهب مع رفاقه باب توما ليأكلوا ( التسئية ) .
 لم استطع اكتب الآن أكثر لأن الصبحُ بدأ يُلوح والنجوم بدأت تتلاشى ولا وسيط بيننا سواهم .. لا بئس الأيام قادمة و أنا على أمل أنكم ستقرؤون  رسالتي هذه وستَحفِلون بما فيها اعدكم عما قريب ستتلقون رسالتي وأنتم أيضاً يمكنكم ارسال رسائل لكن وحدَهُ الله السميع اليكم والمجيب .
الحُرية والسلامة  لكم وغضبٌ من الله على سجانيكم .

ليست هناك تعليقات