بقلم أ. حنان حسين ـ صحيفة إنسان
الصيام عبادة عظيمة لا تقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل تمتد لتشمل تهذيب النفس وضبط الجوارح وصيانة اللسان. ومن أبلغ صور الصيام التي وردت في القرآن الكريم الصيام عن الكلام، وهو لون من ألوان التعبّد العميق والتزكية الروحية.
قال الله تعالى في قصة مريم عليها السلام:
﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ (مريم: 26)
فكان الصوم هنا إمساكًا عن الكلام، تعبيرًا عن التفرغ الكامل لله، والثقة المطلقة بحكمته، والسكينة أمام الابتلاء.
وفي شريعتنا الإسلامية، لا يُشرع الصيام عن الكلام تعبّدًا، لكن جاء التأكيد العظيم على حفظ اللسان، فقال النبي ﷺ:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت.»
فالصمت حين يكون عن أذى أو غضب أو غيبة هو عبادة خفية، وأدب رفيع، ودليل على قوة الإيمان.
فوائد الصيام عن الكلام في الحياة:
أولًا: تهذيب النفس؛ إذ يتعلم الإنسان التحكم في انفعالاته قبل أن تتحول إلى كلمات قد يندم عليها.
ثانيًا: تقليل النزاعات؛ فكثير من الخصومات تبدأ بكلمة، والصمت الحكيم يطفئ نار الخلاف قبل اشتعالها.
ثالثًا: صفاء القلب؛ فحين يقل الكلام، تزيد مساحة التأمل ومراجعة النفس، ويقترب العبد من ربه بخشوع أعمق.
رابعًا: قوة التأثير؛ فالشخص قليل الكلام إذا تحدث أنصت له الناس، وكان لكلماته وزن وهيبة.
خامسًا: راحة نفسية داخلية؛ إذ يمنح الصمت توازنًا وهدوءًا، ويخفف من ضجيج الحياة.
وفي رمضان خاصة، يتجلى المعنى الحقيقي للصيام؛ فليس الصوم جوعًا وعطشًا فقط، بل صيام عن اللغو، والرفث، والخصام. قال النبي ﷺ:
«فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم.»
فالصيام مدرسة أخلاق، يعلّمنا أن الكلمة أمانة، وأن الصمت أحيانًا عبادة، وأن من صام لسانه عن الشر فقد فاز براحة في الدنيا وأجر عظيم في الآخرة.
